الاقتصادية السعودية الاربعاء 26 ديسمبر 2007
عبد الحميد العمري
كتبتُ قبل نحو ستة أشهر من تاريخ اليوم حرفياً تحت عنوان "الحقيقة السابعة.. يا صغار المستثمرين"، موضوعاً حول اقتراب سوق الأسهم المحلية من موعد انفتاح أبوابها أمام الاستثمارات المؤسساتية الأجنبية، تضمن سبع حقائق كان الأجدر بمعرفتها الشريحة الأكثر تضرراً من طوفان الانهيار الذي لحق بالسوق منذ نهاية شباط (فبراير) 2006، كان أهمها الحقيقة السابعة، التي أكّدتُ فيها ضرورة أن يكون صغار المستثمرين هم الأغلبية التي تبيع الأسهم لأولئك العمالقة القادمين من وراء البحار، موضحاً حينها وأؤكده الآن وغداً، أن تلك الصناديق الاستثمارية الباحثة عن مستودع آمن ومجد لأموالها لن تقدم على شراء أسهم شركات خاسرة، في حين أن هدفها الأساسي لن يحيد عن أسهم الشركات ذات الأداء المالي المتنامي، ولعل فيما شهدناه خلال الربع الرابع من العام الجاري خير مثال على ما سيحدث مستقبلاً في سوقنا المالية، من تغييراتٍ جذرية في أنماط تعاملاتها وتوجهات السيولة المدارة فيها عبر الزمن.
يجدر بصغار المستثمرين تحديداً الانتباه إلى تلك الحقائق التي ستفرض نفسها على السمات الأساسية للسوق المالية، كون سوقنا مرّت ولا تزال تمر بأطوارٍ متتابعة من التحولات العميقة، بدأت من كونها سوقاً مالية ناشئة هشّة من ناحية الهيكل والتنظيم والعمق فيما قبل منتصف 2004، عبرت من بعدها عدداً من الممرات العسرة باتجاه منطقة أكثر تطورا وتنظيما.
وبغض النظر عن التكاليف الباهظة التي تكبدها مجتمع من المستثمرين تجاوزت أعداده أربعة ملايين في سبيل تقدمها، إلا أن الأهم في الوقت الراهن أن نتعلم جميعاً دون استثناء من أخطاء الماضي، وأن نعمل جاهدين على عدم تكرارها بنفس التخبط والعشوائية ذلك أولاً، وثانياً أن ندرك جيداً الفرص الاستثمارية الأمثل في السوق، ونحسن التعامل معها بذكاء واحترافية، لأجل توظيفها الملائم لخدمة أهدافنا النهائية، لعل من أبرزها تحقيق معدلات نمو منافسة في مدخراتنا وأموالنا.
الجزء الأهم هنا بالنسبة لمجتمع المستثمرين المحليين في سوقنا المالية؛ أن المستقبل القادم للسوق سيشهد قدوماً له دويه الخاص تحت أقدام الاستثمارات المؤسساتية العملاقة Investment Companies، التي اصطلح على تسميتها في عالم المال والاستثمار بالأفيال. إنها المؤسسات التي تكتنز في محافظها الاستثمارية أكثر من 91.2 تريليون ريال (24.3 تريليون دولار أمريكي)، والتي يتجاوز عددها حول العالم أكثر من 63.2 ألف صندوق استثماري.
يفترض في المجتمع الاستثماري المحلي أن يدرك تلك التغيرات الجوهرية القادمة، وأن يرسم استراتيجياته الاستثمارية وفقاً لتلك المحددات المستقبلية القادمة إلى السوق المالية، وأن عصر المجازفات والتهور خلف إما "هامور" تاه في لجة المتغيرات المستجدة على السوق اليوم وغداً، وإما خلف "توصيات" مضللة ثبت ضررها أكثر من نفعها، أو خلف أي اعتباراتٍ لا تستند إلى أساسٍ من العلم والخبرة بعالم الأوراق المالية. تلك هي الفكرة الأساسية التي أتمنى أن تصل سالمةً واضحةً إلى عقل كل مستثمر في السوق، وأخصُّ هنا بعناية أكبر المستثمر الصغير، وأن يتم التعامل مع المعطيات القادمة التي ستفرض سيادتها المطلقة على السوق المالية السعودية وفق ما تقتضيه تلك المرحلة القادمة. ليس في الأمر ما يدعو إلى القلق بقدر ما أن مصدره الرئيس سيأتي من قناة التجاهل أو النسيان لتلك الحقائق القادمة إلى بيئة السوق المالية، ولن يتوقف الأمر عند مجرد كونه قلقاً، بل قد يتحول إلى مشكلةٍ معقدة من الخسائر الأكثر فداحةً على حساب المدخرات والأموال الخاصة المملوكة لمن فاته إدراك ما نتحدث عنه هنا.
بالنسبة لمن لا يزال في دوامة الخسائر المريرة، بسبب "رسوب" أمواله في شركاتٍ بائرة أكل الدهر وشرب على فشلها الكبير، أعتقد أن الزمن لم يفته حتى الآن للحاق بالركب، وأن مسألة الخروج من تلك الدوامة وإن كان بنسبة خسارة مروعة اليوم، إلا أنها ستكون أدنى بكثير من تلك النسبة الأكثر ترويعاً في المستقبل القادم، وعليه يظل مستقبله محتوماً بماهية القرارات التي سيتم اتخاذها الآن؛ هل يتمسك بأحلام واهمة توسوس له صباح مساء أن ما ذهب سوف يعود؟ أم أنه سيبدأ في التعامل مع الواقع الراهن والمتوقع مستقبلاً وفق مقتضيات ومعطيات أقرب إلى العقل والمنطق؟ ذاك سؤالٌ أُحيل إجابته إلى كل مستثمرٍ يخضع لمواصفات الحالة أعلاه، وهو المكلف قبل أي شخصٍ آخر بالإجابة عنه.
ما أود التأكيد عليه في الختام، إن التأخر في وضع الإجابة الصحيحة يمكن أن تعادل "غرامته" أو "خسارته" ما سوف يتكبده صاحب الإجابة الخاطئة، ما يعني أن الأمور والمستجدات التي على السطح اليوم في السوق المالية، لم ولن تنتظر أحداً مهما كان وزنه وحجمه، وأن الجزء الأكبر من نجاح اتخاذ القرارات الاستثمارية ما يتعلق بالتوقيت المناسب! وما عدا ذلك فلا عزاء غداً لمن ستطحنه أقدام "الأفيال" بسبب عدم فهمه الوقائع الجديدة في السوق المالية.