إن العلاقة بين بعض الأمراض والأحوال الجوية كانت ملحوظة منذ زمن طويل، وخصوصاً بالنسبة لأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الروماتزمية التي كانت علاقتها بالجو معروفة منذ الحضارات المصرية واليونانية القديمة إلا أن دراسة هذه العلاقة على أساس علمي لم تبدأ إلا في أوائل القرن العشرين، حيث بدأ الباحثون يعالجونها على أساس علمي مستندين ذلك على الإحصاء والبحث الميداني. فبدأ البحوث المتعلقة بهذا الموضوع تتزايد في مختلف دول العالم المتقدم، وتزايدت بصفة خاصة منذ أواسط الخمسينات من هذا القرن حتى أن الباحثين ترومب وسار جنت استطاعا أن يستعرضا في سنة 1964محتويات أكثر من 4400بحث منشور في هذا المجال.
ولاشك أن أبحاثاً أخرى عديدة قد ظهرت منذ ذلك التاريخ. ولقد ظهر في معظم الأبحاث أن هناك بالفعل علاقات قوية ومباشرة بين عدد الإصابات بأمراض معينة وبين الأحوال الجوية، كما أظهر بعضها كذلك أن هناك علاقة طردية بين عدد الوفيات الناجمة عن بعض هذه الأمراض وبين حالات أو ظاهرات جوية معينة.
ومن الأمراض التي ثبت أن لها بالفعل مثل هذه العلاقات المباشرة مرض الالتهاب السحائي وأمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والأوعية الدموية، وقرحة الأمعاء والتوتر النفسي والعصبي.
فبالنسبة لمرض الالتهاب السحائي تبين من الدراسة أن هذا المرض يتركز بالدرجة الأولى في أشهر فصل الربيع الجاف، ففي سنة 1970مثلاً بلغ مجموع إصابته في السودان حوالي 3000إصابة. وكان توزيعها على الأشهر كما يلي: 37% في مايو و20% في ابريل و17% في يونيو و9% في يوليو و8%في مارس، والباقي ونسبته 9% كان موزعاً على باقي الأشهر، كان تبين أن هذا المرض لايكاد يظهر مع ازدياد الرطوبة والأمطار.
أما بالنسبة لأمراض الجهاز التنفسي فقد كان مرض الربو من أكثر الأمراض التي حظيت باهتمام الباحثين، وقد أظهرت معظم الأبحاث التي أجريت في دول مختلفة أن كثرة حالات الربو أو قلتها ترتبط ارتباطاً قوياً بالأحوال الجوية، ففي نيويورك مثلاً قام الباحث جرين بورج وآخرون بحصر حالات الربو الطارئة التي سجلت في فصل الخريف في ثلاث مستشفيات رئيسية في هذه المدينة في ثلاث سنوات هي 1957و1963و1975فلاحظوا أن عدد هذه الحالات ارتفع بصفة خاصة أثناء أول موجتين من موجات البرد التي حدثت في فصل الخريف من كل سنة من السنوات الثلاث.
وفي استراليا لاحظ ديريك أن حالات الربو في مدينة بريزين قد ارتفع أثناء فترات البرودة والجفاف التي جاءت في فصل الخريف، وأنها انخفضت فترات الدفء والمطر وزيادة رطوبة الهواء، وأنها كانت موزعة بنظام فصلي واضح.
وقد أظهرت دراسات أخرى علاقات مماثلة بين الربو وأنواع الكتل الهوائية وبينه وبين تلوث الهواء بالغبار وطلع الأشجار pollen grains الذي يكثر انتشاره في الجو في فصل الربيع.
ويحسن أن نشير هنا إلى أن تلوث الهواء، الذي له ارتباطاته القوية بالمناخ، يعتبر في حد ذاته عاملاً أساسياً من العوامل المسببة لانتشار حالات الربو، وبهذا الخصوص أوضح باولوس وسميث أن إصابات الربو الشبعي بين الطلاب الذين يتعرضون من وقت إلى آخر للغبار المنبعث من مناطق تجميع الحبوب وتصنيعها وتخزينها تزيد إلى الضعف بين الطلاب الذين لديهم حساسية لهذا الغبار. ويؤكد دينجل أن سقوط الأمطار يؤدي إلى تنظيف الجو من الطلع (حبوب اللقاح) pollen فيؤدي بالتالي إلى نقص حالات الربو.
أما فيما يختص بأمراض الدورة الدموية فقد أجريت أبحاث كثيرة للبحث عن مدى ارتباطها ببعض الأحوال الجوية، ففي الدنيمارك مثلاً أوضح هانسن أن التغيرات السريعة أو المفاجئة في الضغط الجوي يمكن أن تؤدي إلى حدوث انسداد شرياني. كما أوضح نفس الباحث أن نفس هذه المتغيرات يمكن أن تؤدي إلى حدوث أو تهيج قرحة الأثنى عشر.
وكان ديفيس قد لاحظ أثناء دراسة قام بها في فيلادلفيا أن عدد حالات قرحة الأثنى عشر التي أدخلت إلى المستشفى العام بالمدينة ارتفع في أعقاب الذبذبات الحرارية القصيرة. وقد فسر ذلك بأن الذبذبات الحرارية تؤثر بوضوح على الدورة الدموية، ولما كان نزيف القرحة المعوية مرتبطاً بالدورة الدموية، فإن هذا يعني بالتالي أن حالات القرحة يمكن أن تتأثر بدورها بهذه الذبذبات.
وبالنسبة لعلاقة التغيرات الجوية على الحالة النفسية والشعور العام للشخص لاحظ دورديك أيضاً أن الذبذبات الجوية القصيرة مثل مرور جبهة هوائية حارة أو هبوط الضغط الجوي أن يسبب بعض مظاهر الضيق وعدم الارتياح مثل الشعور بالإعياء والتوتر والميل إلى النعاس والغثيان.
وفي نفس هذا المجال تقريباً يذكر وينستانلي أن هناك أدلة تشير إلى أن الضغوط النفسية تزداد نتيجة لهبوب رياح حارة جافة من نوع رياح الفهن في مناطق الجبال، والرياح الحارة الجافة في بعض بلاد البحر المتوسط مثل "الشراف sharav" ومن المعقول ان يكون لرياح الخماسين في مصر ورياح السموم في شبه الجزيرة العربية والرياح المماثلة في البلاد العربية الأخرى نفس التأثير.
وفي دراسة لتأثير هذا النوع من الرياح على الأحوال النفسية ومدى العلاقة بين هذا التأثير وبين زيادة عدد الجراثم ومن بينها جريمة الانتحار لاحظ ميلر في كاليفورنيا الجنوبية أن هناك بالفعل علاقة بينها وبين مرات هبوب رياح "سانتا أنا" الحارة الجافة بصورة تؤدي إلى انخفاض الرطوبة النسبية إلى أقل من 15% حيث تبين له أن عدد الأيام التي ظهرت فيها هذه الرياح بهذه الصورة بلغ 53يوماً في سنتي 1964و1965، وأن عدد حوادث الانتحار كان أعلى من معدله في 34يوماً من هذه الأيام، وكان أقل منه في 16يوماً ومعادلاً له في ثلاثة أيام، وتوصل من هذا إلى أن مثل هذه الحالات الجوية يمكن أن تكون لها آثار سلبية على المجتمع، وخصوصاً من حيث انتشار الجريمة.
تأثير الأحوال الجوية على صحة الطفل
لقد كان من الطبيعي أن يحاول الباحثون المهتمون بدراسة العلاقة بين المناخ والمرض استكشاف إمكانات وجود علاقة بينه وبين حالات الوفاة، وفي هذا المجال لاحظ الباحثان جولد سميث وبيركينز أن عدد الوفيات في بريطانيا والسويد واستراليا كان مرتفعاً في أشهر الشتاء، بينما لم تكن له علاقة فصلية تذكر في بلاد أخرى، مثل جزر هاواي وكالفورنيا، وهي بلاد لايتغير فيها المناخ تغيراً كبيراً من فصل إلى آخر. ومع ذلك فقد أوضح باحث آخر هو مومي ياما Momiyamaأن زيادة عدد الوفيات لاترتبط دائماً بفصل معين. وخصوصاً في الدول المتقدمة التي تتمتع بمستوى عال من الصحة العامة والخدمات الصحية.
وقد كانت وفيات الأطفال بصفة خاصة تبلغ قمتها في بعض الدول في فصل الصيف، بينما تبلغ قمتها في دول أخرى في فصل الشتاء، إلا أن هذا الارتباط كاد يختفي في معظم الدول المتقدمة نتيجة للتوسع في الخدمات الطبية والتقدم في أساليب الوقاية والعلاج. ومع ذلك فإن التقلبات أو الاضطرابات الجوية القصيرة مازالت لها بعض العلاقة بزيادة حالات الوفاة على حسب مالاحظه باحثون آخرون، فقد قام الباحث دريسكون باستعراض نتائج أكثر من مائة بحث منشور في أوروبا ما بين سنتي 1935و1968م عن العلاقة بين بعض الأحوال أو الظاهرات الجوية وحالات المرض والوفاة، فوجد أن 83% من هذه الأبحاث أظهرت فعلاً علاقات موجبة بينها وكانت العلاقات واضحة بصفة خاصة مع الحالات الجوية المرتبطة بمرور جبهات هوائية ذات صفات واضحة.
وفي بحث آخر درس ديسكول العلاقة بين العدد اليومي للوفيات في الولايات المتحدة في سنتي 1962و1965خلال أربعة أشهر يمثل. كل منها فصلاً من فصول السنة وهي الأشهر يناير وإبريل ويوليو وأكتوبر فلاحظ أن عددها يزداد في بعض الأيام عن المعدل بسبب بعض الحالات الجوية الخاصة.
وفي محاولة لمعرفة أي الأحوال الجوية يمكن أن تؤدي إلى زيادة الوفيات، وأيها يمكن أن تؤدي إلى نقصانها لاحظ دريسكول أن ارتفاع عدد الوفيات كان متفقاً مع الأجواء الحارة التي تسبق مرور الجبهات وأن انخفاضه كان متفقاً مع الأجواء الباردة التي تأتي في أعقابها.
وقد لاحظ دريسكول كذلك أن الموجات الحار التي تأتي بصورة مفاجئة في الربيع وأوائل الصيف تؤدي عادة إلى زيادة الوفيات، لأنها تأتي قبل أن يكون الجسم مهيئاً للتكيف معها، كما تزداد الوفيات أيضاً إذا ما ارتفعت درجة الحرارة إلى حد الخطر الذي تنتشر بعده الإصابة بالضربة الحرارية Heat stroke، ومثال ذلك ماحدث في مدينة ايللينويس في الفترة من 10-14يوليو سنة 1966عندما تجاوزت درجات الحرارة حد الخطر الذي تبدأ عنده الضربات الحرارية في الازدياد، سواء وضع هذا الحد على أساس درجة حرارة معينة أو على أساس قيمة "THI"، ففي الفترة المذكورة مات سبعون شخصاً على الأقل بسبب الضربة الحرارية، كما حدثت عدة وفيات أخرى بسبب اضطراب الدورة الدموية وهبوط القلب بين كبار السن (فوق 65سنة) وقد زاد عدد الوفيات التي حدثت في هذه الفترة عن المعدل بنحو 36%.