مع بداية رمضان وحتى قبل دخوله وإلى هذه الأيام، تزدحم الصحف بدعايات الأطعمة والأشربة بمختلف أنواعها، وما لفت نظري هو دعاية مشروب التوت أو الفيمتو، وكل معلن يخفض في سعر التوت أقل من السوبر ماركت الآخر، بل أن أحدها يعلن بأن التوت أو الفيمتو سيعطى مجانا لمن يتسوق لديهم، ولا ينافس التوت من حيث الاقبال على الشراء إلا عجينة السنبوسة، ففي مدينة الرياض مثلاً اشتهرت أماكن تبيع عجينة السنبوسة التي تلقى إقبالاً من الناس لا أدري لماذا، فإن لم تشتر العجينة من هذا المحل بعينة لن تعمل السنبوسة في منزلهم، فتجد طوابير الناس المنتظرة للشراء من تلك الأماكن المعروفة ومنذ الصباح، مع أنها (العجينة) في رأيي لا تختلف عن العجينة التي تعمل بها السنبوسة أيام زمان (في المقيبرة) ونشتريها من البائع ذي الوزرة وهو يرفعها من المقلاة والزيت يتطاير من جوانبها وأسفل منها وكيف كانت تقطر زيتا وهو يرفعها من المقلاة ليضعها لنا في الكيس الصغير الشبيه بكيس الاسمنت ولكنه للأمانة أنظف قليلاً، وكنا نشتري تلك السنبوسة قبل أذان المغرب (خمس حبات بطايح ربع) أي أن قيمة حبة السنبوسة الواحدة بثلاثة قروش، وعلاقة جيلي مع التوت هو أننا عرفناه مشروبا وكأول نكهة (فليفر) للآيسكريم أو العسكريم المحلي، وهو عبارة عن خشبة صغيرة، كخافض اللسان الذي يستخدمه الطبيب لفحص الفم والحنجرة، يغطي نصفها ثلجة حمراء (لون التوت) حلوة الطعم لما تحويه من سكر، ما تلبث أن تعود للونها الطبيعي (لون الثلج) بعد عدة مصات، ومع ذلك تؤكل (وتقرمش) تلك الثلجة ويلحس مافي الخشبة الصغيرة من نداوة أو بقايا ماء قبل أن ترمى، حيث كانت تبيعه إحدى نساء الحي للأطفال بأربعة قروش في رمضان وغير رمضان، لا يفوتني أن اشير إلى أن الفنان المبدع عبدالله السدحان قد قدم ذلك في إحدى حلقات طاش ما طاش وصورا (سعيدان وعليان) كيف كان الصبية آنذاك يطرقان باب المنزل الطيني ليعطيا بائعة الآيسكريم من خلف الباب الموارب النقود المعدنية بيد وأخذ (باغة) الآيسكريم باليد الأخرى، إلا أن أحدا من الصبية آنذاك لم يكن (يتميلح) أو يترزز ويتمسس ويرمي صورته لبائعة الآيسكريم، وليس ذلك بسبب عدم فعل أطفال وصبية أيام زمان لذلك، بل قد يفعلون شيئاً شبيها لا تتم فصوله كلها بسبب الحياء والخوف، أين منها جرأة ووقاحة بعض شباب هذه الأيام، يرويه الصبية لبعضهم البعض، جله نسج خيال وأماني مراهق عاشق ألقى الحرمان في أمنيته، وسبب مهم وهو أن بائعة الآيسكريم ببساط (عجزه) في عمر جدات صبية الحي وبناته، ولو انتبهت لما يقوم به من يشتري الآيسكريم لكانت ردة فعلها فورية (قبصة عجوز) لا نظرة إعجاب بسعيدان أو عليان وهي تلتقط صورتهما الملقاة على الأرض، عند مدخل بيتها الطيني، وإلى سوائح قادمة بإذن الله.