يبدو أن الأعمال الإنسانية هي التي تحظى برواج وانتشار أكبر، وذلك لما لها من أصداء إنسانية واجتماعية أكبر، والبذل الدائم والعطاء المستمر الذي يقدمه ولي العهد لمختلف الجهات جعلت منه اسما بارزا وعلامة على الخير والعطاء، لكن جانبا آخر لا يقل أهمية لدى سموه حفظه الله، ويمثل إسهاما بارزا في أحد أهم المسارات الثقافية التي تهتم بها القيادة السعودية إيمانا منها بأن أمة بلا ثقافة ولا امتداد حضاري ستتفقد جنباتها يوما لتجد أنها تفتقد لملامح وسمات تاريخها وشواهده.
الموقف الثقافي الأخير والبارز لسمو ولي العهد المتمثل في أمره بإيقاف أعمال الهدم والتكسير الحاصلة في جبل سلع بالمدينة المنورة عبارة عن التفات ثقافي وحضاري في آن معا، فالفكرة التي يرى البعض أنها قد تكون دافعا للقيام بعمل كهذا، ربما يكون لها ما يبررها اقتصاديا أو نتيجة خشية ما، لكنها في ذات الوقت أفكار لا تقيم أي اعتبار للقيمة التاريخية للأثر الحضاري وأهمية الشاخص البصري القديم في كونه دلالة مادية على أن تاريخا عظيما ومهما ومؤثرا في حياة البشرية قد مر من هنا، من أرضنا، من المملكة العربية السعودية.
موقف سمو ولي العهد جاء من هذا المنطلق، من منطلق يقينه وفقه الله بأن القيم التاريخية والحضارية اليسيرة التي لا تعدو مئات السنين يحتفل بها غيرنا ويصنع منها مراكز ثقافية وحضارية، مع أنها لا تحوي ذات البعد ولا ذات الامتداد التاريخي الذي تحويه آثارنا.
ولي العهد أراد أن يقول: إن هذه الآثار ليست إلا جزءا من تاريخ الإسلام وامتداده، والاحتفاء بها هو احتفاء بالتاريخ الذي تدل عليه تلك الآثار، خاصة أن حالة من الوعي العام تحيط بالمجتمع من كل جهة ولا تترك مجالا للخشية من أن يفتتن الناس في أجيال قادمة بهذه الشواهد، بل على العكس إذا لم يتم الحفاظ عليها الآن فسوف نحدث حالة من الانفصال السلبية بين الأجيال القادمة وبين تاريخهم. خاصة وأن أفكار التطوير والتنمية جعلت من الفكرة السياحية أكبر عامل استيعاب لمثل هذه الآثار، وفتحت لها من خلال السياحة الباب الأبرز والأكثر تحضرا للحفاظ على الموروثات التاريخية من آثار وشواهد، في القوت الذي تقوم فيه دول مجاورة بصناعة ما هو سياحي، فإننا وأمام الثروات السياحية التي لدينا لا نحتاج إلى استزراع السياحة بقدر حاجتنا إلى أن نقوم بسقيا وتعهد ما وهبنا الله من امتداد تاريخي.
الآثار السعودية ليست آثار حضارة أضرت بالعالم أو مثلت لها لحظة تاريخية لا تحب تذكرها، مع أن هذه لم تعد محاذير ولا مبررات لهدم أو تكسير أو إهمال، إلا أن آثارنا الحضارية هي الأولى بالاهتمام والرعاية والحفاظ عليها، وتحويلها إلى مرافق سياحية تفتح للقادمين من مختلف الثقافات والبلدان معرفة هذا الغنى والتنوع.
لقد تم تصديرنا على أننا طارئون على الحياة، ولا امتداد لنا، وهذه الفكرة السطحية لا يمكن مكافحتها إلا بمواقف ذات وعي وشعور بأهمية وحيوية الشاهد الحضاري والتراثي كما هو في موقف سمو ولي العهد.
المبررات التي كانت تساق لإلحاق الضرر بتلك الشواهد والآثار التاريخية لم يعد لها من مكان، فالجانب الاقتصادي الاستثماري الذي يمكن أن يكسر جبلا يكتظ بالآثار التاريخية من أجل أن يقيم بناية أو يمد شارعا هو أنما يريد ان يهدم استثمارا ضخما وعالميا في سبيل إيجاد استثمار محدود، فالآثار التاريخية الآن إحدى أبرز مصادر الاقتصاد وأهم عوامل الترويج السياحي لسياحة وفق المفهوم الراقي والمتحضر للسياحة، والشواهد العالمية التي باتت عبارة عن متاحف ودور ثقافية وحضارية عالمية أكبر شاهد على ذلك.
وإذا كان هناك من يرى أن الهدم عامل ردع لكيلا تتحول تلك الآثار إلى مزارات أو شواهد تاريخية ربما يفتتن بها الناس، فإذا كانت هذه المخاوف يمكن أن تجد مكانا في الماضي فلا مكان لها الآن بعد أن بات الوعي العام والمتعلق تحديدا بأفكار التوحيد عاما وشاملا، ولم يعد هناك من يمكن أن يفتتن بشاخص تاريخي يزروه الناس للسياحة والتعرف على التاريخ، وإلا ما الذي كنا نصنعه عبر كل هذه السنين من حث ووعظ وإرشاد متعلق بأفكار التوحيد يفترض بها أنها قد أخذت الحياة العامة بعيدا عن أي خشية من هذا الجانب، كذلك فالأجيال القادمة إنما تكون في الغالب أكثر وعيا مما سبقها، مما يجعل هذا الاحتمال بعيدا.
إن قرار وتوجيه ولي العهد الأخير، ينطلق من إدراكه بأن تاريخا يفتقد للشواهد هو تاريخ في أزمة، وينطلق من وعيه أيضا بموقعه المؤثر في عملية التنمية السياحية التوجيه الكريم لسمو ولي العهد لم يتوقف عند حد منع أعمال الهدم، وإنما تجاوزه إلى التوجيه بتشكيل لجنة لدراسة وضع الجبل ونزع ملكية العقارات حوله، وهو ما كشف عن اهتمام كبير من سموه بالفكرة منذ أمد، إذ كشفت التغطيات الإخبارية أنه سبق وأن أصدر سموه أمرا بإيقاف أعمال الهدم والتكسير التي كانت قائمة في جبل الأصيفرين بالمدينة، مما يعكس الدور الثقافي والتاريخي الذي يؤديه سموه حفاظا منه على تاريخ وتراث هذه الأمة، ويعكس كذلك وعيه بعدم جدوى المبررات التي يمكن أن تكون سببا لهدر تلك الثروات التاريخية.
لا بد إذن من الإشارة إلى أن سياق الدعم الثقافي من سموه لا يتوقف عند دعم جمعية أو حركة وإنما يتجاوزه لدعم أفكار وقيم تاريخية، تقف دون هدر تلك المقدرات التاريخية.
هذا التبني القيادي لهذه الأفكار الحضارية هو جزء من عملية الطمأنينة القائمة والمستمرة، والجهود الثقافية للقيادة السعودية ومنها قرار ولي العهد الأخير خير داعم لمستقبل لا يخاف من تراثه، ويرى فيه عمقا تاريخيا هو الأجدر بالحفاظ والعناية، بديلا عن أفكار الخوف التي لا مكان لها.