لملم الناشرون والعارضون ما تبقى على رفوف أروقتهم من زاد ثقافي أثروا به على مدى تسعة أيام الدورة الخامسة والعشرين من معرض تونس الدولي للكتاب في دورة كادت أن تكون من أحسن الدورات بعد أن تميزت بحسن التنظيم وثراء المعروض الذي لامس كل دروب الفكر لأرقى دور النشر العربية والأجنبية خاصة بعد استبعاد تجار الإثارة والكتب الرخيصة من طرف المنظمين الذين اعتمدوا في هذه الدورة سياسة الانتقاء فاختفت من الرفوف الإثارة والتنجيم والتدجيل، وكل ما حذا حذوها.. وعلى عكس استبعاد دور النشر هذه فقد أشركت إدارة المعرض ولأول مرة ناشرين من أسبانيا وإفريقيا السمراء.
معرض تونس أكد بوضوح أن "الكتاب الورقي" رغم شراسة المنافسة مع التلفزيون وبرامجه المختلفة والانترنيت وأقراص الليزر لا يزال في موقعه الريادي وما زالت القلوب تهفو له والأيدي تمتد إليه برغم معضلة التهاب الأسعار التي عصفت بأمال الكثيرين في اقتناء ما رغبوا فيه من موسوعات ومعاجم ودواوين وحتى بعض الروايات والقصص.. مما جعل البعض يلتجئ للمنشورات الدينية وكتب الأطفال التي كانت مقارنة بغيرها في المتناول.. إذ برغم التخفيضات المعلنة في كل الأجنحة تقريبا.. فإن الأسعار الغائبة أو "المطموسة" على أغلفة الكتب المعروضة وبالتخفيض المعلن كانت أرفع من السعر الحقيقي العادي فكتاب ( 11جنيه مصري) يباع ب 11دولاراً أمريكياً، وعلى شاكلته تباع بعض الكتب اللبنانية وغيرها.. وهذه ظاهرة لم يتمكن معرض تونس ومنذ سنوات من فك رموزها.
ولعل من أهم فعاليات المعرض كانت تلك الندوات الفكرية والورشات المهنية التي انعقدت على هامش الدورة، حيث لامست الصميم بتناولها لمواضيع تتسم بالجدية والعمق كمسألة "التنوع الثقافي وكونية القيم" و "الرهانات الجديدة للنقد الثقافي" وذلك من منظور عدد من أبرز الأدباء والشعراء والمفكرين والنقاد العرب والأجانب مما جعل الفضاءات التي أقيمت بها تشهد إقبالاً كبيراً من المثقفين والطلبة قل أن حظيت به الفضاءات.. إلى جانب نقل هذه الندوات بواسطة شاشات ركزت في مختلف أرجاء قصر المعارض.
موضوع آخر أستأثر باهتمام الكل وهو المتعلق بمهنة المكتبي أو "الكتبي" فهل هو وسيط مساهم في الحراك الثقافي والحداثة الثقافية أم مجرد بائع؟.
الكتبيون تحدثوا.. وحللوا.. وانتقدوا.. وبرروا.. ولكنهم في الأخير اتفقوا على أن هناك معوقات كثيرة يجابهونها منها انتشار الكتاب الالكتروني والوسائط الأخرى مما بات يهدد مهنتهم إلى جانب غياب التكوين والرسكلة للعاملين في القطاع.. إلى جانب طغيان النظرة التجارية للبعض على حساب النظرة الثقافية.. بعض المكتبيين الفرنسيين المشاركين في هذه الندوة أكدوا على ضرورة دعم المكتبي ففي فرنسا اتحاد الناشرين الفرنسيين يدعم المكتبي باعتباره حلقة أساسية في دورة الكتاب ومن هذا الدعم تنظيم حلقات للتكوين المهني للمكتبيين الجدد ودعمهم مادياً.
الندوة تطارحت عديد الأفكار منها معهد مختص بتكوين ورسكلة المكتبيين والبحث قصد تطوير المهنة.
يذكر بأن مدير معرض تونس الدولي للكتاب الأستاذ أبو بكر بن فرج ذكر أن تونس تصدر سنوياً كتباً بقيمة 3ملايين دينار وتستورد بما قيمة 15ملياراً وهو ما يعني أن التونسي يقرأ أكثر مما ينتج.